الحياة السياسية والحركة الاسيرة في كفل حارس

مثل باقي مدن الضفة الغربية وقراها ومخيماتها تم احتلال كفل حارس بعد هزيمة الخامس من حزيران عام 1967، ووصلها الجيش الإسرائيلي قادما من جهة الشرق في العاشر من حزيران، بعد أن أطبق على غور الأردن ومدينة نابلس.

  وبعد أيام من الاحتلال قام الجنود الإسرائيليون بجمع شباب القرية ورجالها في ساحة يوشع بن نون، ومرروا عليهم رجلا يضع على رأسه كيسا من الخيش، قيل إنه عميل من قرية مجاورة، وبعد ما يقارب الشهر على الاحتلال قامت سلطات الاحتلال بإجراء إحصاء سكاني لأهالي القرية، من أجل التثبت من هويات من هو موجود منهم في القرية لمنحهم هويات إسرائيلية، ويذكر أهالي القرية أن مصطفى عبد الرؤوف الخطيب رفض الحصول على الهوية، وظل رافضا لذلك حتى كبر ابناؤه وحصل عليها في منتصف السبعينات.

   كانت القرية عمليا خارج دائرة الحرب، وذلك لانعدام وجود السلاح  مع ابنائها، في وقت كان فيه عدد من رجال القرية وشبابها يخدمون في صفوف الجيش الأردني في مختلف الصنوف العسكرية، وقد استشهد في هذه الحرب الجندي أحمد ذيب بوزية، وجرح فيها الجندي فهد طالب المدني.

  ومنذ حزيران 1967 أصبحت القرية مسرحا لزيارات جماعات كبيرة من المتطرفين الصهاينة لمقامات الأنبياء، وخلال سنوات الاحتلال تم اعتقال عشرات الرجال والشباب بتهم الانتماء للأحزاب والفصائل ومقاومة الاحتلال والمشاركة في الانتفاضة وغير ذلك من التهم.

 

الانتفاضتان

 

  مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في كانون الأول عام 1987، دخلت كفل حارس، مع شقيقاتها من مدن وقرى ومخيمات فلسطين، حلبة الاشتباك مع العدو دفاعاً عن عروبة الأرض، وأصبح أبناء القرية جزءاً لا يتجزأ من الانتفاضة، ساعدهم في ذلك وجود مستوطنة أرئيل التي اغتصبت أراضي القرية، وغيرها من الأسباب التي أدت إلى تصاعد فعاليات الانتفاضة في القرية ومحيطها.

  وقد شارك أبناء كفل حارس في ثورة الحجارة، مما أدى إلى استشهاد وجرح عدد منهم واعتقال عدد آخر، كانت مدد محكوميات بعضهم طويلة إلى حد ما، لكن أول انعكاسات الانتفاضة على القرية وأهلها حدثت في حزيران من عام 1988، أي بعد سبعة أشهر على اندلاعها، فقد قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بمحاصرة القرية في يوم الخميس المصادف 16/ 6/ 1988، وملأ الجنود الصهاينة المدججون بالسلاح شوارع القرية وأزقتها، وكانوا يحملون معهم قراراً موقعاً من وزير الحرب في حينه إسحق رابين يقضي بهدم بيتين من بيوت أبناء القرية، وهما بيت عبد الحميد محمد عودة وبيت صالح عدوان، فيما قاموا بإغلاق غرف في بيوت أخرى ومنع أصحابها من استخدامها ومن بينها بيت سليمان القنون، وغرفة لجمال جاسر.

  وإذا استثنينا حالات الاعتقال والمداهمة والتفتيش والحصار التي تعرضت لها القرية منذ الاحتلال، فإن هدم البيوت بالديناميت كانت أبرز صور العقوبة التي يتعرض لها أبناء القرية حتى ذلك التاريخ.

وفي هذا تقول إلهام عبد الحميد عودة عن لحظة نسف بيتهم من قبل جنود الاحتلال، كنت وقتها طالبة في الصف العاشر، وفي صبيحة يوم السادس عشر من حزيران 1988، وكان يوم خميس، استأذنت أهلي في الذهاب إلى بيت أختي الكبرى أم مراد، لقضاء بعض الوقت، وطبخت لنا أختي (مسلوعة)، لأن البلد كانت تعيش تحت حظر التجوال منذ أسبوع، وأصبحت المواد الغذائية شحيحة، وعند العصر أردت العودة إلى بيتنا، وحاولت مع بنات أختي استكشاف الطريق، فشاهدنا مجموعات كبيرة من الجنود عند الصفره، وشعرنا بحركة غير طبيعية تدور  في المنطقة، فنظرنا من الشارع الآخر، شارع المدارس، فشاهدنا عددا كبيرا من الجنود يسيرون باتجاه النبي كفل وأيديهم على السلاح، ونظرت تجاه بيتنا وحارتنا فشاهدت مجموعات من الجنود أيضا، فشعرت أن أمرا ما يحدث عند بيتنا، وخفت على أمي وأبي، وخطر ببالي لحظتها أخي محمود الذي كان معتقلا في ذلك الوقت، وفجأة شاهدت أخي الكبير محمد أبو سامر بين الجنود، بالقرب من المدرسة الأساسية للبنات، فناديته وسألته عما يجري، فقال لي إن إليهود يريدون نسف بيتنا، لم أستوعب كلامه لأول مرة، فأعدت السؤال، أي بيت تقصد؟، فقال لي بيتنا، بيت أهلي،  فركضت إلى الباب وفتحته، وخرجت إلى الشارع مسرعه أريد أن أصل إلى بيتنا، إلى حيث أمي وأبي، إلى غرفتي وأشيائي، وسمعت صيحات الجنود وصراخهم عليّ، لم أكترث بالأمر، وبقيت أركض ويركض الجنود من خلفي، وهم يصرخون عليّ، إلا أن أخي محمد قال لهم هذه أختي، وكان معهم المختار أيضا، وعندما وصلت إلى مقام النبي كفل، وجدت دوريات الجيش تغلق الشارع، وسدوا جميعهم الطريق أمامي، وسألوني إلى أين تذهبين، قلت إلى بيتنا، فقالوا لي ممنوع، فقلت لهم أريد أن أذهب عند أمي وأبي، اريد أن أراهم، وأرى بيتنا الذي تريدون هدمه، منعوني وقالوا بقي دقيقتان وينفجر البيت، وممنوع الاقتراب من المنطقة، وأجبروني على الدخول إلى منزل رفيق (عادل) إبراهيم، وفي تلك اللحظة لحق بي أخي محمد وأولاد أختي “أحلام ومراد”، وخيم صمت فظيع كسره صوت الانفجار الذي رافقه انفجارنا بالبكاء والصراخ، ومحاولتي فتح الباب والخروج، لكن صاحب المنزل ظل يمنعني ويطلب مني الانتظار حتى يذهب الجنود، وما هي إلا دقائق حتى انسحبوا، وخرجت مسرعة باتجاه بيتنا، ولم أجد سوى كومة من الحطام، وسألت فورا عن والدي، ودلني عليه الجيران، وجدته يجلس على أحد الحجارة أمام ركام البيت، فسألته عن أمي، فوجدتها في الجنينة المجاورة، تجلس بالقرب من بقايا الأثاث، وكانت شبه منهارة، وكانت لحظتها تتحدث عن محمود في السجن ومإذا سيلحق به من هؤلاء الأعداء، وكان الليل قد حلّ، فحاولت البحث عن طريقه لأحضر لها الطبيب، لأنها كانت في وضع سيء وبحاجة إلى مستشفى، وأخيرا استطعت إيصالها إلى منزل  جارتنا نصرة أحمد سالم أم محمد، ونمنا عندها أنا وأمي حتى الصباح، أما أبي فقد نام على حطام البيت، انتهت رواية إلهام.

  لقد اضطر أبناء كفل حارس للتصدي المزدوج، لجنود الجيش والمستوطنين معاً، وبسبب ذلك التصدي قدمت القرية خمسة شهداء في الإنتفاضتين، كان أولهم الشهيد نضال عبد الكريم بوزية، وعندما اقتحم المستوطنون القرية في 29/ 5/ 1989 استشهدت ابتسام عبد الرحيم بوزية برصاص المستوطنين، وهي ابنة ثلاثة عشر عاماً، ويومها اعتدى الجنود والمستوطنون على أهالي القرية وعاثوا فيها فساداً، وقاموا بإحراق محصول القمح العائد لأهالي القرية، وقبل أن يغادروا أطلقوا النار على حمار بالقرب من مقام النبي ذي الكفل وقتلوه.

   كما استشهد في الانتفاضة أيضا الشاب حسن محمود حسن طعيمة، فيما اغتال المستوطنون الشهيد غسان (محمد) صالح عدوان، واستشهد كذلك في انتفاضة الأقصى الشهيد خالد يعقوب شريف أبو يعقوب الذي تصدى ببندقيته، وهو رجل أمن، لعربدة الجنود الصهاينة في مدينة سلفيت.

  وفي سنوات الانتفاضتين تعرضت القرية، مثل غيرها، للعقوبات الجماعية، من حيث الحصار ومنع التجوال وقلع أشجار الزيتون وتجريف الأراضي وإتلاف المزروعات وغير ذلك من صور الجريمة التي يمارسها الجنود والمستوطنون على حد سواء.

   وقد أصيب عدد من أبناء القرية أثناء مشاركتهم في فعاليات الانتفاضتين بجراح، كان بعضها بليغاً، فيما قامت قوات الاحتلال باعتقال أعداد متزايدة من الشباب والزج بهم في السجون والمعتقلات.

 

 

 الانتفاضة الأولى ميدانيا

 

هذه المعلومات زودني بها كاملة حول الفعل اليومي لمساحة واسعة من أيام الانتفاضة الأولى أخي محمود القاق، الذي قال إن المشاركة المبكرة لأبناء كفل حارس في فعاليات انتفاضة 1987 ترجع إلى وجود القرية على بوابة الاحتكاك المباشر مع المستوطنين، ونقاط انتشار الجيش الإسرائيلي على الشارع الاستيطاني الذي يمر بمحاذاة مدخلها الرئيس، وكذلك لوعي وتأطير عدد من ابنائها في ذلك الوقت.

   ومع أنه حدثت عدة عمليات رشق بالحجارة وقنابل المولوتوف ووضع السدود الحجرية على مداخل البلدة لإعاقة حركة دخول الجيش، وكتابة الشعارات الثورية على الجدران ورفع الأعلام الفلسطينية على أسلاك الكهرباء والأماكن العامة، وكل هذه الأعمال كانت تنفذها مجموعات بالسر ليلا، إلا أن النشاط العلني الأول تمثل في الإضراب الشامل الذي دعت له القيادة الموحدة للانتفاضة في 25 \12 \ 1987، ولا نبالغ، يضيف محمود القاق، إذا قلنا إن حجم الالتزام بذلك الإضراب وصل إلى أكثر من 99%  واستمرت فعاليات الانتفاضة بالمقاومة والعصيان والمعارك الليلية وتناوب الحراسات وصد المستوطنين وكتابة الشعارات ورفع الأعلام وتطبيق بيانات القيادة الموحدة وإحياء المناسبات الوطنية والاجتماعية.

 ويؤكد أن أول اشتباك علني، أو مواجهة  بالحجارة جرت بين شباب كفل حارس ودورية للاحتلال على أرض البلدة، وقع في عصر يوم الجمعة 12\2\1988 حيث توجه كل من: محمود عبد الحميد القاق، زيد علي صالح، داود سليمان عبيد، ذوقان خليل قيشاوي، علي جاسر القاق، سالم محمد سالم أبو حماد، حسن حسني شقور، عبد العزيز محمد صالح، عودة عبد القادر شقور، عاهد فايز القاق، عبد الحميد عوض سالم،  بسام طعيمة وغيرهم، حيث أقاموا سدة من الحجارة في الشارع الرئيس، بالقرب من تينات الحجة زغلولة، ومن أجل استدراج قوات الجيش، قام كل من حسن حسني شقور وعودة عبد القادر شقور وعاهد فايز القاق بالذهاب إلى مدخل البلدة الجنوبي، بالقرب من مفرق سلفيت، ورشقوا سيارات المستوطنين بالحجارة وقنابل المولوتوف، ثم تراجعوا باتجاه الشباب عند الكمين، وبعد وقت قصير دخلت عدة دوريات للجيش الإسرائيلي،  وما أن ظهرت من بعيد حتى علا الصفير والتكبير، ولأول مرة يقوم الشباب برشق الدوريات الإسرائيلية بالحجارة، كاسرين حاجز التردد والخوف، واستمرت المواجهات حتى ساعات الليل، وتمكنوا من منع دوريات الجيش من دخول البلدة،  ليخرج هؤلاء الشباب في الجولة الأولي بمنظر المنتصرين، ولتنفجر البلدة في الأيام التالية،  وتندفع اندفاعة واحدة في وجه أي تواجد لأي قوة احتلالية  تدخل البلدة،  حيث أصبح المئات من الشباب والأطفال والشيوخ  في اشتباك مستمر مع الاحتلال، ليلا ونهارا، في أزقة البلدة، أو على أطرافها.

 ويضيف محمود القاق أن صفرة واحدة مدوية كانت تنطلق في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار تستجيب لها صفارات من كل أرجاء البلدة، ليتخذ الشباب مواقعهم في محاور الاشتباك بين الحجارة والرصاص، حتى بات هذا نهجا يوميا للعشرات من الشاب والأطفال الذين يزداد عددهم في كل يوم.

 وأول جريح من أبناء البلدة أصيب بالرصاص الحي، كان عاهد فايز القاق، الذي أصيب برصاصة في ذراعه في التحام ليلي مع جنود الاحتلال في أزقة الحارة الشرقية.

ويرى محمود القاق أن يوم 8 \3 \1988 يوم المراة العالمي، جاء بظاهرة لم تكن مألوفة من قبل في البلدة، حين استجابت نساء القرية وفتياتها لنداء القيادة الموحدة للانتفاضة، وقمن بتنظيم مسيرة حاشدة جابت شوارع القرية وهن يرددن الشعارات ويرفعن الأعلام واليافطات المنددة بجرائم الاحتلال، وواصلت المسيرة طريقها إلى الشارع الرئيس على مفرق سلفيت، وتظاهرن هناك واشتبكن مع قوات الاحتلال، واستمر بعضهن إلى جانب الشباب بالاشتباك مع قوات العدو حتى ساعات الليل.

   ويرى محمود القاق أيضا أن يوم الأرض في  30\3\1988، كان يوما مميزا من حيث التصعيد في الاشتباك مع قوات الاحتلال، حيث استمرت المواجهات من الصباح الباكر حتى ساعات الليل الأخيرة، وكانت المواجهات في النهار تتم على مداخل البلدة، وفي الليل تمكنت تعزبزات من الجيش الإسرائيلي من الوصول إلى داخل البلدة، ودارت أعنف المواجهات عند منطقة ا%8