المقامات الدينيىة والاماكن الاثرية في كفل حارس

مواقع دينية وأثرية

 

 

مقام النبي ذي الكفل

 

(مقام النبي ذي الكفل) صورة

 

  يقول كبار السن من أهل القرية إن مقام النبي ذي الكفل كان أول بيوت القرية من جهتها الشرقية، وأكدت ذلك أوراق الحاج عبد الحميد عودة، وهو مبنى مكون من غرفتين متلاصقتين، الأولى كبيرة وتضم في داخلها ضريحاً كبيراً، حرص أبناء القرية على تغطيته بمختلف أنواع الأقمشة، وربما اكتسبوا هذه العادة وتوارثوها منذ أيام الدولة الأيوبية والدولة الفاطمية، اللتين أعطتا اهتماما ملحوظاً لمقامات الأنبياء والأولياء والصالحين، وهذه الغرفة لها باب يفضي إلى ساحة صغيرة مسوّرة، وللساحة باب يفضي إلى الخارج.

 وعبر القرون الماضية، وتحديداً منذ الفتح الإسلامي لفلسطين، حظي مقام النبي ذي الكفل باهتمام خاص من أهل القرية، وغيرهم من أهل فلسطين، حيث تحول إلى مزار تؤدى فيه العبادات، وتنفذ فيه النذور، وحرص أبناء القرية على تنظيف المكان والعناية به دائماً، وقبل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية في حزيران 1967 كان الشيخ حسن الطعيمة، يعمل قيّماً متطوعا في هذا المقام، ولم يتراجع عن مهمته حتى وهو يرى المتطرفين الصهاينة يأتون بأعداد كبيرة لزيارة المكان والعبث في قدسيته.

   واستناداً إلى نظرة أهالي القرية لقدسية مقام النبي ذي الكفل، فقد ذهبوا، وعبر أجيال متعاقبة لدفن موتاهم في المنطقة المحيطة بالمقام، من جهاته الأربع.

   أما الغرفة الثانية، وتسمى القبة، فهي أقل قداسة في نظر المواطنين والزائرين من الغرفة الأولى التي تضم الضريح، وكانت تستعمل كاستراحة للزائرين إلى المقام من خارج القرية، وفي جهته الجنوبية نبتت شجرة خروب كبيرة ظلت تلقي بظلالها على مساحة واسعة من المكان، فيما نبتت شجرة توت في ساحته الشمالية، وكثير من شجر الرمان في أطراف ساحاته.

   وقد اصطفت مجموعة من “المصليات” الحجرية في ساحته الشمالية، كان الزائرون وبعض أبناء القرية يؤدون صلاتهم عليها، وإلى جانبها بئر ماء تعد من الأملاك الموقوفة على هذا المقام.

   ولم تتحدث الوثائق التي تناولت المقام وصاحبه، عن تاريخ محدد للبناء، ألا ما نقش على بابه ويشير إلى 1234، دون أي توضيح، ويمكن القول  إن وجود قبة مبنية على طراز البناء الإسلامي، يقودنا إلى الاعتقاد أن هذا البناء تم في عهود الدولة الإسلامية الأولى، أو في أقل تقدير أنه تم إعادة ترميم هذا البناء، وإبرازه على صورته الراهنة، ليكون مزاراً للمسلمين، ويمكن أن يكون ذلك قد حدث بعد تحرير فلسطين من الغزاة الفرنجة نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، لإعادة الاعتبار للطقوس والشعائر الإسلامية، بعد أن تم إلغاؤها أو تهميشها لمدة قرنين من حكم الفرنجة لبلادنا.

   وبعد احتلال كفل حارس، مع باقي مدن الضفة الغربية وقراها ومخيماتها في حزيران 1967، رفعت قوات الاحتلال يافطة زرقاء كبيرة على المكان، كتبت عليها باللغات “العربية والإنجليزية والعبرية” اسم كالب بن يفونه، ويمثل هذا التصرف نسفاً لمعتقدات أهل القرية وسواهم، المتراكمة منذ قرون بعيدة، باعتبار صاحب المقام هو نبي الله ذو الكفل، ليقول الإسرائيليون في روايتهم إنه كالب أحد الجواسيس الذين دخلوا أرض كنعان في عهد نبي الله موسى عليه السلام.

   لكن الرواية الإسرائيلية، حسب ما يرى أهل القرية، وما يراه معهم باحثون متخصصون، تبدو كاذبة وضعيفة، إذ أن الاحتلال يريد الايحاء بوجود شواهد توراتية في أرضنا تبرر له احتلالها والسيطرة عليها، وأن مقام النبي ذي الكفل الذي ورد ذكره وتوصيفه في عدد كبير من المراجع والمصادر والوثائق التاريخية، هو مقام ديني إسلامي، ارتبط بالقرية منذ مئات السنين وحملت اسمها تيمنا به وتقربا منه.

   وجاء في موسوعة بلادنا فلسطين للمؤرخ الدباغ أن “قبر النبي ذي الكفل يقع جنوبي شرقي القرية، وهو عبارة عن غرفة  فيها ضريح كبير، وفي الأنس الجليل أن ذا الكفل كان يقيم في الشام وقبره في كفل حارس من أعمال نابلس”.

   وقد ذكره الله عز وجل في سورة الأنبياء (85) بقوله تعإلى “واسماعيل وادريس وذا الكفل كلّ كان من الصابرين، وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين”، كما ذكره تعإلى في سورة ص (48) بقوله عز وجلّ “واذكر اسماعيل واليسع وذا الكفل وكلّ من الأخيار”.

   وجاء في كتاب “تاج العروس في جواهر القاموس” لمؤلفه محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني، أبوالفيض الملقب بمرتضى الزبيدي، في الحديث عن نبي الله ذي الكفل ما يلي ” وذو الكفل: نبي من أنبياء بني إسرائيل وقيل: هو من ذرية إبراهيم صلوات الله عليهما، وقيل: هو الياس وقيل: هو زكريا، أقوال ذكرها الفاسي في شرح الدلائل، قيل: بعث إلى ملك اسمه كنعان فدعاه إلى الإيمان وكفل له بالجنة وكتب له بالكفالة، وقال الثعالبي – في المضاف والمنسوب – : اختلف المفسرون في اسمه فقيل: هو بشير بن أيوب بعثه الله رسولا بعد أيوب وكان مقامه بالشام وقبره في قرية كفل حارس من أعمال نابلس، ذكره الملك المؤيد صاحب حماة، وقيل: كان عبدا صالحا ذكر مع الأنبياء لأن علمه كعلمهم والأكثر على نبوته، وقيل: اسمه الياس وقيل: يوشع وقيل: زكريا وقيل: حزقيل لأنه تكفل سبعين نبيا حكاه في معالم التنزيل عن الحسن ومقاتل انتهى.

   وقيل: سمي به لأنه كفل بمائة ركعة كل يوم فوفى بما كفل، وقيل: لأنه كان يلبس كساء كالكفل، وقال الزجاج: لأنه تكفل بأمر نبي في أمته فقام بما يجب فيهم، وقيل: تكفل بعمل رجل صالح فقام به، وقال الفاسي في شرح الدلائل: ومعناه ذو الحظ من الله تعإلى، وقيل: لتكفله لليسع بصيام النهار وقيام الليل وأن لا يغضب …. وكفل حارس: من قرى نابلس”.

   وجاء في كتاب (الشيخ أحمد كفتارو.. ومنهجه في التجديد والإصلاح) في وصفه لجبل قاسيون المطل على دمشق “وقد كان من اعتقاد الصالحين في هذا الجبل أنهم كانوا يخلعون النعل إذا مشوا فيه، تأدباً مع من يرقد فيه من أنبياء وأولياء وصالحين، ففيه مرقد نبي الله ذي الكفل، وقد بني شماله مسجد جميل عامر باسم هذا النبي الكريم”.

 

تاريخ البناء

 

  الذين كانوا يترددون على مقام النبي ذي الكفل، كانوا يلاحظون بسهولة ما تم نقشه بحروف عربية واضحة وخط رفيع على مدخل الغرفة التي تضم الضريح، وكما هو مبين أدناه:

رأس الحكمة مخافة الله

نصر من الله وفتح قريب

إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر

لا اله إلاّ الله محمد رسول الله

سنة 1234

وإذا كان من الطبيعي أن يقوم المسلمون بكتابة بعض آيات القران الكريم وغيرها من الأقوال المأثورة على مدخل المقام المقدس، فإن التاريخ المثبت على حجر في البناء والذي يشير إلى عام 1234، هو تاريخ يثير الأسئلة، خاصة وأنه جاء من دون تحديد إذا كان هذا التاريخ ميلاديا أم هجريا، ولنفترض هنا أن التاريخ هجري، فعند تحويله إلى التاريخ الميلادي يظهر لنا ان عام 1818 هو العام المرادف لهذا التاريخ، وهذا يعني أن بناء الغرفة تم في هذا العام، ومثل هذا الافتراض في اعتقادي ليس دقيقا، لأن شكل البناء وشكل حجارته ونوعيتها تشير إلى ان عمر البناء يعود إلى أكثر من مائتي عام بكثير، وأن الأرجح أن يكون التاريخ 1234 هو تاريخ ميلادي، وإذا تعاملنا مع التاريخ على هذا الأساس، فإنه تاريخ يأتي بعد سبعة وأربعين عاما على معركة حطين وتحرير فلسطين على يد السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، ما يدفعنا للاعتقاد بأن سلاطين الدولة الأيوبية هم الذين يقفون وراء بناء الغرفة، لإعطاء مزيد من الاهتمام بالمكان، أسوة بما فعلوه مع الأماكن المقدسة الأخرى في فلسطين التي تعرضت للتهميش في فترة حكم الفرنجة، ثم إن التاريخ يأتي بعد عشرين عاما على وثيقة جوهر بن عبد الله التي كانت مثبتة على مدخل مقام يوشع بن نون، وإذا كانت الوثائق التاريخية لم تشر إلى تاريخ وفاة جوهر بن عبد الله، فإنني ميال للاعتقاد بأن جوهرا هو الذي بنى القبة أو من خلفه من مسؤولي الدولة الأيوبية، لأن البناء جاء على طراز العمارة العربية الإسلامية التي انتشرت في عصر الدولة الأيوبية، ومع ذلك فإن البحث في تاريخ بناء الغرفة يظل واردا، وهي مسؤولية تقع على عاتق المؤرخين والباحثين.

 وتشير الروايات أن قبر نبي الله ذي الكفل كان موجودا في كهف قبل بناء الغرفة التي تضمه، ويتضح ذلك جليا من المسافة التي تفصل بين عتبة الباب وأرضية الغرفة.

 

مقام النبي ذي النون

 

     واحد من المقامات المقدسة في وجدان الناس، حيث ذهب أهالي القرية إلى تخفيف اسمه عند الحديث عنه، من “ذي النون” إلى “نون”، في قولهم قبر النبي نون أو مقام النبي نون، وجاء في موسوعة بلادنا فلسطين للمؤرخ مصطفى مراد الدباغ عن قبر ذي النون، ما يلي:

“يقع في جنوب غربي القرية، وهو عبارة عن ضريح كبير مكشوف، تقع في شرقه غرفة خصصت للعبادة، وذو النون هذا هو يونس عليه السلام، وقد ذكرت قصته في سورتي الأنبياء والصافات، وفي حلحول من أعمال الخليل قبر يعرف بقبر يونس، هذا ويذكر السامريون بأن “ذا النون” هذا، هو قبر “نون” والد يوشع، وهذا ما نرجحه”.

   وإذا كان الدباغ قد رجح أن يكون القبر لوالد يوشع، فإنه استند إلى منطلقات تاريخية، سواء مما جاء في القرآن الكريم أو غيره، عن النبي ذي النون، او النبي يونس عليه السلام.

  واللافت للنظر أن أهل القرية قد تعاملوا مع المقام بدرجة أقل من القدسية التي يتمتع بها مقام ذي الكفل في القرية على سبيل المثال، مما يدعم موقف الدباغ، أو يكون قد ساعده في إعلان رأيه، غير أنه ظل في نظرهم مقام نبي له ما يستحقه من التقدير والاحترام.

    ومثلما أشار الدباغ إلى وجود قبر يعرف بقبر النبي يونس في بلدة حلحول في الخليل، فإن هناك قبراً ومقاماً كبيراً في مدينة الموصل شمالي العراق، يعرف أيضا بالنبي يونس، وهذا ما يجعل القول بأن قبر النبي ذي النون موجود في كفل حارس، هو قول ضعيف من الناحية التاريخية، لكن أهل القرية، وخاصة النساء، تعاملوا باحترام وتقديس مع المكان، وحرصت كثير من نساء القرية على أداء الصلاة في الغرفة المخصصة للعبادة، التي أشار الدباغ إلى وجودها شرقي الضريح، وقد أكد لي هذا الكلام فواز المنقار الذي قال نقلاً عن أهله، إن الحاجة نايفة عرفات “النابلسية”، زوجة الحاج أحمد الحماد، كانت تزور نساء دار المنقار وهي في طريق عودتها من مقام النبي نون، بعد أداء الصلاة فيه، حيث كانت تحرص على الذهاب إلى هناك مرة أو أكثر في الأسبوع الواحد، ومن المؤكد أن نساء أخريات كن يرافقنها في أداء الصلاة، وخاصة في أيام الجمع، أو أيام شهر رمضان المبارك، واستمرت النساء في التردد على المقام لأداء الصلوات لفترة طويلة.

  وعلى مقربة من مقام النبي نون، توجد بقايا لمجموعة من “المصليات” الحجرية، التي كان الرجال يستعملونها للصلاة عند زيارتهم للمقام، الذي كانت تقدم فيه النذور والطاعات، وهو ليس بعيدا عن موقع بنات الزاوية، الذي يعتقد الدباغ أن الجامع الكبير الذي يعود لفترة حكم الدولة الأيوبية، موجود في ذلك الموقع.

   وبعد احتلال القرية عام 1967 مع باقي مدن الضفة الغربية وقراها، صار المقام مسرحا لزيارات مجاميع من إليهود الصهاينة الذين عاثوا في المكان فسادا، وأساءوا إلى قدسيته المتوارثة في وجدان أبناء القرية.

   ومن غير المستبعد أن تكون قدسية المكان، هي التي دفعت بالشيخ منسي، إلى اختيار زاويته على تلك الصخرة التي تظللها شجرة ما تزال موجودة بالقرب من مقام النبي نون، ليمارس عليها طقوسه وشعائره ويستقبل تلامذته ومريديه.

    ومثلما كان مقام النبي كفل هو أول “بيت” في الحارة الشرقية، أو كفل حارس الشرقية، كما كانت تسمى في القرون الماضية، فإن مقام النبي نون كان آخر “بيت” من بيوت الحارة الغربية، أو كفل حارس الغربية، وبسبب قدسية المكان فإن عدداً من أهالي القرية ذهبوا إلى دفن موتاهم في مقابر تحيط بالمقام، تماماً مثلما فعلوا حول المقامات الأخرى، وكانت في السنوات السابقة شجرة عنب كبيرة تظلل ساحة المقام الداخلية.

 وذكر ياقوت الحموي أن قبر النبي ذي النون موجود في مصر.

 

مقام يوشع بن نون

 

(مقام يوشع بن نون) صورة

 

    يطلق عليه أبناء القرية اسم “النبي لوشع”، وهو مقام يقع في وسط القرية، في حين وصفته بعض وثائق القرن التاسع عشر، بأنه يقع على أطراف القرية، إذ لم تكن قد توسعت بعد، وهو مقام يتكون من غرفة واحدة لها باب يفضي إلى ساحة مكشوفة مسوّرة، لها باب يفضي إلى المقبرة التي صارت، منذ خمسينيات القرن الماضي، جزءاً من ممتلكات مدرسة الذكور.

    لم يكن المقام يملك القدسية التي يملكها مقام النبي ذي الكفل ومقام النبي ذي النون، غير أن أهل القرية استغلوا مساحة الأرض المحيطة به من كل الاتجاهات، وبدأوا يدفنون موتاهم فيها، إلى درجة يمكن القول إنها أكبر مقابر القرية على مدى القرنين الماضيين.

   الغرفة التي يتكون منها المقام لا تحوي داخلها أي قبر واضح للعيان، واستنادا إلى ذلك قال المؤرخ الدباغ في موسوعته نقلا عن أهل القرية في حديثه عن مقام يوشع بن نون، إنه “يقع في شمال القرية بالقرب من مدرستها (1944)، وبناؤه يتألف من ساحة مكشوفة وغرفة، ولا يوجد في الغرفة ضريح، إنما يقول القرويون إن رفات يوشع موجودة في مغارة تقع في أسفلها”، وقد زاره الرحالة الإنجليزي تشارلز كليرمونت عام 1874، وذكره في كتابه المعنون “فلسطين خلال عامي 1973 – 1974، كما تحدث عن الضريح الموجود أسفل الغرفة.

   وجاء في الوثيقة التي كتبها القائد جوهر بن عبد الله على حجر كان موجوداً على أحد جدران المقام، “إن جوهر بن عبد الله أحد خدم الضريح”،  لكن القائد جوهر ووثيقته لم يوضحا لنا هوية صاحب الضريح أو مكانته السياسية والدينية في قومه، غير أن هذه الوثيقة نسفت تماما الادعاءات الصهيونية حول هوية صاحب المقام، فلو كان صاحب الضريح هو يوشع بن نون، لما وصف جوهر نفسه بأنه خادم الضريح، وفي القرية مقامات أكثر قدسية في نظرة الناس إليها، وهذا ما يؤيده عدد من أبناء القرية، ومن بينهم رئيس بلديتها أحمد عبد الرحيم بوزية الذي نقلت له وسائل الإعلام عام 2009 تصريحات صحفية قال فيها، إن المقام هو مقام إسلامي بناه السلطان صلاح الدين الأيوبي، وأن الاحتلال الإسرائيلي يسعى للاستيلاء على المقامات الإسلامية وتحويلها إلى مزارات لليهود المتطرفين، ومثل هذا القول في اعتقادي يتفق مع وصف القائد جوهر لنفسه بأنه أحد خدم الضريح، ما يؤكد أن بناء المقام تم في عهد الدولة الأيوبية، وأن هناك خدما آخرين لهذا الضريح، ومن المرجح أن المقام قد أقيم حول ضريح أحد القادة أو العلماء البارزين في تلك المرحلة، ليقدم جوهر نفسه خادما له، وعندما توفي جوهر تم دفنه في الساحة المكشوفة للمقام إلى جانب الضريح الذي كان خادما له، كما أشار إلى ذلك المؤرخ الدباغ في موسوعته نقلا عن أهل القرية.

    لكن ذلك لا ينفي أن يكون قبر يوشع بن نون موجودا في القرية، وقد أشارت إلى هذه الحقيقة كثير من كتب التاريخ القديمة، التي أكدت على أنه توفي في كفل حارس ودفن فيها، وفي هذا يقول الدباغ “وقد كتبنا عن حياة يوشع هذا في ج1 ق1  من كتابنا، وفي الأنس الجليل :” … ثم توفي يوشع ودفن في “كفل حارس” قرية من أعمال نابلس، وقالت مخطوطة السامريين التاريخية (ص 84) “دفن يوشع بن نون في “تمنة حارس”، والمعروفة الآن بكفل حارس”، وهو قول أكده أيضا صاحب كتاب “تاج العروس” على أن يوشع بن نون توفي في كفل حارس ودفن فيها.

  وإذا كانت الوثائق التاريخية تشير إلى أن يوشع بن نون فتى النبي موسى عليه السلام وخليفته، قد عاش بين القرنين الثالث عشر والثاني عشر قبل الميلاد، وعندما جاء إلى كفل حارس كانت “مدينة” عامرة بالناس والحياة، فإن ذلك يقودنا إلى القول إن عمر القرية يقترب من أربعة آلاف عام، ويزيد من تأكيد هذا الاعتقاد وجود مقام نبي الله ذي الكفل الذي سبق يوشع بن نون في سياق المرحلة التاريخية، وكذلك الوثائق التي تتحدث عن كفل حارس باعتبارها قرية عربية كنعانية.

   ويوجد في أطراف مدينة السلط الأردنية مقام يعرف بمقام يوشع بن نون، يقول أهالي المدينة إنه مدفون فيه، كما يوجد مقام في الجانب الغربي من مدينة بغداد يسمى مقام يوشع أيضا.

   ويوجد شمالي مدينة صفد وعلى بعد 22 كم عنها، قرية صغيرة تسمى “النبي يوشع”، وذكرها صاحب خطط جبل عامل بقوله: ” يوشع قرية فيها مزار منسوب إلى يوشع بن نون، وصيّ موسى عليه السلام، مشرفة على الحولة من شرقيها على طرف الجبل المطل على الحولة الذي هو منتهى جبل عامل من تلك الجهة، تسمى باسمه وساكنوها هم قوّام لمشهد، وخدامه يبلغون 50 نفسا من آل الغول، وأول من بنى عليه قبة هو الشيخ ناصيف بن نصار، ولم يكن فيه عمران قبل بناء ناصيف له، ولم يكن سوى القبر، وإنما حدثت القرية بعد بناء المشهد، وصار له خدام يستغلون الأرض التي حوله، ولا تأخذ الحكومة منهم شيئا من ذلك العهد إلى عهد إلحاقه بفلسطين، وكان أولا من أعمال صور.

   ويقول الباحث العراقي وليد الصكر في حديثه عن بغداد قبل أن يقوم ببنائها الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، إنها كانت تتكون من قسمين، أما “القسم الثاني من كرخ بغداد فكان يعرف (بالشوينزية الصغرى)، وتضم رفاة ومقامات وأضرحة لعدد من أعلام ومشاهير بغداد، وعلى رأسهم مرقد النبي (يوشع)، ويقال إنه أحد أنبياء بني إسرائيل، ويذكر الخطيب البغدادي أن النبي يوشع مدفون في بغداد في الجانب الغربي بمنطقة يقال لها الشونزية أو الشوينزية، مستندا إلى وصية عبد الله بن أحمد بن حنبل، بأن يدفن إلى جوار نبي أحب إليه من أن يكون في جوار أبيه، وهذه الوصية تؤكد على وجود النبي يوشع في هذه المنطقة، وهناك تل يسمى تل إليهود دفن بقربه الشاعر العباسي المعروف أبو نؤاس، وزاره الرحالة الدنماركي نيبهر، وقال عنه بقرب بهلول،( يقصد بهلول بن دانة الكوفي)، يرى اليوم بناء صغير حقير فيه قبر يسمى يوشع، الذي يكثر إليهود زيارته”.

 

قبر النبي اليسع

 

   يتحدث أبناء القرية عن وجود قبر تتم نسبته إلى نبي الله اليسع عليه السلام، ويقولون إنه موجود أسفل محراب الجامع القديم، على مقربة من دار عبد الجليل الحمدة، وهذا ما أشار إليه المؤرخ الدباغ في موسوعته سالفة الذكر، نقلا عن أهالي القرية، لكن اللافت للنظر أن القبر ومكانه لا يحظيان بأي نوع من القدسية المفترضة لقبر نبي، خارج قدسية الجامع، ولم يذكر أحد من أهل القرية أنه رأى القبر أو تعرف إليه، ربما بسبب قدم بناء الجامع، المرجح أن يكون قد تم في القرن السابع عشر الميلادي.

  وتشير روايات ووثائق تاريخية إلى أن قبر النبي اليسع موجود في مناطق أخرى، ولم تذهب أي من هذه الوثائق للإشارة إلى أن قبره موجود في كفل حارس، غير أن رواية أهل القرية عن هوية صاحب القبر لم تخرج عن كونها رواية شفوية لا تستند إلى أي سند تاريخي.

  ومن المحتمل وجود قبر أسفل محراب الجامع القديم، من المرجح أن يعود لرجل صالح أو لإمام الجامع مثلا، الذي دفن على مقربة من الجامع في فترة سابقة، وعند توسعة الجامع صار هذا القبر أسفل البناء، أو أسفل المحراب تحديدا، لكن الرواية من جميع جوانبها ما تزال بحاجة إلى تدقيق، لأنها تتعلق بقبر نبي من أنبياء الله عليهم السلام.

 

 

جوامع القرية

 

(المسجد الكبير) صورة

 

   في سنوات القرن العشرين لم يعرف أبناء القرية سوى جامع واحد، هو ما بات يسمى بعد ذلك بالجامع القديم أو الجامع الكبير، ويقع في منطقة وسطى بين حارتي القرية، وتقول روايات متدأولة إن النبي اليسع  عليه السلام مدفون تحت محرابه، في أقصى حدوده الجنوبية، قريباً من دار عبد الجليل الحمدة، وقد ظل مثل هذا القول في إطار الروايات الشفوية، ولم يحظ القبر المشار إليه بأي مظاهر التقديس من أهالي القرية، كما هو الحال مع المقامات الأخرى الموجودة فيها.

   وقد خضع الجامع للترميم والتوسيع أكثر من مرة، حيث أُضيفت إليه مساحات جديدة ليستوعب تزايد أعداد المصلين الذي نجم عن تزايد عدد أهالي القرية، وفي ستينيات القرن الماضي تم بناء عدد من المرافق الصحية في فناء الجامع، ووصلت حدوده إلى الشارع ويستوعب عدة مئات من المصلين، وفي سبعينيات القرن الماضي تم شراء سماعة وضعت على سطح الجامع تعمل على البطارية، كتعويض عن عدم وجود مئذنة، في محاولة لإيصال صوت المؤذن، أو النداءات الرسمية، إلى أبعد مكان في القرية بعد أن توسعت  حدودها العمرانية، ولم يعد صوت المؤذن يصل إلى مسافات بعيدة.

   ويعتقد كبار السن في القرية أن الجامع الكبير قد بني قبل عدة مئات من السنوات، ومن المحتمل أن يكون قد بني في القرن الأول من حكم الدولة العثمانية، أي في نهايات القرن السادس عشر أو بدايات القرن السابع عشر الميلادي.

   وعلى مقربة من مقام النبي ذي النون ما تزال آثار جامع قديم ماثلة للعيان، مع وجود عدد من “المصليات” الصخرية في المكان، ويرجح المؤرخ الدباغ في موسوعته أن يكون قبر الإمام العالم برهان الدين الكفل حارسي المتوفي عام 1472 للميلاد موجودا فيه، إلى جانب قبر جده المتوفي حسب التاريخ الافتراضي في نهاية النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي، وبذلك فإنه من المرجح أن يكون هذا الجامع قد بني في عهد الدولة الأيوبية، بعد تحرير فلسطين من حكم الغزاة الفرنجة، وإلى جانب كونه جامعاً للعبادة، فقد كان يؤدي دور المدرسة الدينية للإمام برهان الدين وتلامذته.

   وعلى مقربة من مقام النبي ذي الكفل ما تزال مجموعة من “المصليات” الصخرية موجودة، وأن وجودها يقودنا إلى احتمالين، إما وجود جامع في تلك المنطقة، ربما يكون قد بني في بدايات عصر الدولة الإسلامية، أو أن المواطنين وضعوا هذه “المصليات” للصلاة عليها قرب مقام النبي ذي الكفل، وإن كنت أرجح الاحتمال الأول، لأن المدن والقرى تحرص دائما على وجود الجوامع التي تشكل بؤرة مركزية لتوسعها فيما بعد، وإن كانت المنطقة تخلو من وجود آثار تدل على وجود جامع فيها.

    وفي نهايات القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة زاد عدد الجوامع في القرية، فصار هناك جامع النور على مقربة من مقام النبي ذي النون، وجامع الحق في منطقة الصفرة، وقد تبرعت ببنائهما المحسنة الحاجة نعمة عبد الحميد شقور، فيما أقيم جامع رابع في منطقة شتل شحادة على طريق ديراستيا، وهناك جامع خامس تم بناؤه في منطقة المعمل الواقعة في منتصف الطريق بين ديراستيا وكفل حارس.

 

بنات الزاوية

 

   تعددت أسماء هذا المكان بتعدد الرواة الذين تحدثوا عنه، ففيهم من يسميه بنات الزاوية، وفيهم من يسميه زاوية البنات، وآخرين يسمونه بنات سيدنا يعقوب.

   والمكان عبارة عن بيت قديم يقع في منطقة لا تبعد كثيراً عن مقام النبي ذي النون، ولا ينظر أهالي القرية إلى المكان نظرة مقدسة، بل يتعاملون معه في الغالب كأثر تاريخي.

   وطوال العهود التي حكمت فلسطين لم يخضع المكان للرعاية أو الترميم أو الاهتمام، ولم يقف أحد في مواجهة تقلبات الزمن التي اندثر معها كثير من معالمه.

   وفي اعتقادي أن الرواية التي تطلق على المكان اسم “بنات سيدنا يعقوب” لا تقصد النبي يعقوب عليه السلام أو بناته، بل أراني أرجح أن يكون المقصود هو أحد العلماء أو الشيوخ الصالحين الذين عاشوا في كفل حارس في عهد الدولة الأيوبية أوعهد الدولة الفاطمية، وقد أشارت المصادر والمراجع التاريخية إلى عدد منهم، وأن يكون هذا البيت هو “زاوية” مثل الزاويا التي انتشرت في ذلك العهد في مدن فلسطين وقراها، وهي أشبه ما تكون بالمدرسة الدينية، واتخذتها بنات هذا الشيخ الصالح الذي كان اسمه يعقوب، لتعليم نساء القرية أصول الدين الذي تعلمنه عن أبيهن الشيخ، في وقت كانت فيه “زوايا” أخرى منتشرة في القرية لتعليم الرجال على يد الشيوخ والعلماء والأئمة.

وأغلب الظن أن بنات الزاوية، تقع عند  بقايا أول جامع بني في كفل حارس، وهذا ما أشار إليه الدباغ في موسوعته، وكانت تحيط به مقبرة كبيرة قد اندثرت، وصلت أطرافها حتى مقام النبي ذي النون.

 

مغارة الصالحين

 

   تشير الوثائق إلى أن عدداً من الصوفيين قد عاشوا في كفل حارس، في العهدين الأيوبي والفاطمي، وتدلل على ذلك بوجود عدد من رجال الدين البارزين الذين ينسبون لكفل حارس، ومن بينهم الإمام العلامة إبراهيم بن حجي الحنبلي الكفل حارسي والإمام برهان الدين إبراهيم بن مفلح الكفل حارسي المتوفيين في القرن التاسع  الهجري، الموافق للقرن الخامس عشر الميلادي،  ومن غير المستبعد أن يكون شيوخ الطريقة الصوفية قد استخدموا هذه المغارة، التي تقع غربي القرية قريبا من طريق ديراستيا، لممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية مع تلاميذهم ومريديهم، أو أن هؤلاء الشيوخ اضطروا لاستخدام المغارة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، أيام حكم الفرنجة للبلاد، وقد اتخذوا هذه المغارة للتخفي عن عيون السلطة وأعوانها.

   وفي كل الأحوال فإن أبناء القرية تعاملوا مع هؤلاء الشيوخ على اعتبار أنهم رجال صالحون، ومن هنا أضافوا اسم “الصالحين” إلى اسم المغارة التي كانوا يجتمعون فيها ويمارسون فيها شعائرهم.

   إلا أن اللافت للنظر أن أهالي القرية في العصور اللاحقة لم يتعاملوا مع المغارة كمكان مقدس، ولم يبق من تلك المغارة إلا اسمها، وبقايا مليئة بالتراب والحجارة، حيث لم يقم أحد بتنظيفها أو العناية بها، رغم استمرار تسميتها بمغارة الصالحين.

 

الشيخ منسي

 

   لا أحد من أبناء القرية يذكر شيئا عن سيرة الشيخ منسي أو نسبه، إلى درجة اختلاط الوهم بالحقيقة عند الحديث عن  شخصية هذا الشيخ الذي يبدو أن له من اسمه نصيبا وافرا.

   من المحتمل أن يكون رجلاً  نسي أهله والتجأ إلى قريتنا وعاش فيها بقية حياته، ومن المحتمل أيضا أن يكون رجلا تقيا من أبناء القرية، نسي متاع الدنيا وإغراءاتها، وتوجه لعبادة الله، ويمكن أن يكون هذا الشيخ قد اتخذ له مكاناً على تلك الصخرة التي تظللها شجرة كبيرة غربي القرية، في منطقة ليست بعيدة عن مقام النبي ذي النون، وكان يستقبل تلامذته ومريديه تحت تلك الشجرة الوارفة الظلال التي احتفظت باسمه، وصار الموقع يسمى باسم الشيخ منسي، ولا ينظر أهالي القرية إلى الموقع بقدسية، لكنهم يتعاملون معه باحترام نابع من تلك السيرة المفترضة للشيخ الذي ظل منسيا، ولا يوجد أي أثر في المكان يدل على ذلك الشيخ أو زمن وجوده في القرية، لكن الاعتقاد أن ذلك ربما كان في القرن التاسع عشر بسبب تقدير عمر الشجرة الذي لا يزيد على مائتي سنة، ويوجد قرية في شمال فلسطين اسمها “المنسّي” ولا أعتقد بوجود ما يشير إلى علاقة الشيخ منسي بتلك القرية.

 

خربة دير بجالة

 

    وهي موقع لقرية عربية قديمة، يختصر أبناء كفل حارس اسمها، ويقولون “الخربة” عندما يتحدثون عنها، وذلك لعدم وجود خرب أخرى في محيط القرية، وجاء في موسوعة بلادنا فلسطين للمؤرخ الدباغ في حديثه عن خربة دير بجالة “وتقع إلى الشرق من كفل حارس وعلى بعد نصف كيلومتر منها خربة تعرف باسم “دير بجالة” وتحتوي على جدران وعقود متهدمة، ويذكرنا هذا الاسم باسم “بنو بجالة” وهم، كما يقول السويدي، بطن من ذبيان من العرب العدنانية، فلعلهم نزلوا هذه الجهات ودعي هذا المكان نسبة لهم”.

  إلا أن المصادر التي تحدثت عن دير بجالة لم تجمع على نسبتها لكفل حارس، فهناك بعض المصادر نسبتها إلى قرية مردة المجاورة، وصنفتها ضمن المواقع الأثرية المحيطة بقرية مردة، رغم أن دير بجالة أكثر قرباً من الناحية الجغرافية لقرية كفل حارس، وجاء في هذه المصادر أن من الخرب والمواقع الأثرية المحيطة بقرية مردة “خربة دير بجالة وفيها آثار لسبعة مساجد، وهذا يدل على أن القرية كانت مكتظة بالسكان”.

   وهناك أدلة تاريخية تشير إلى أن قرية دير بجالة كانت قرية مأهولة بالسكان وعامرة بالحياة، ومنها ما جاء في كتاب ” المفصل في تاريخ القدس” للمؤرخ الفلسطيني عارف العارف في حديثه عن عائلة الخالدي المقدسية فيقول ” إن آل الخالدي وهم من العائلات المشهورة في بيت المقدس، نزلوا القدس في أوائل الفتح الإسلامي، ورحلوا منها في زمن الغزاة الفرنجة إلى جماعين واستوطنوا خربة ما برحت إلى آلان تعرف ب (دير بجالة) على مقربة من مردة، وكان يطلق عليهم لقب (الديري) وذلك لأنه كان في الحارة التي نزلوا فيها دير.

   وقد جاء في كتاب تاريخ العشائر في الأردن وفلسطين لمؤلفه المؤرخ الأردني زياد أبو غنيمة عن عائلة الخالدي ما يلي: (ويذكر كتاب “عائلات القدس المتنفذة” لمؤلفته الدكتورة أسماء جاد الله الخصاونة أن عائلة الخالدي المقدسية مشهورة بالعلم، وعرفت باسم الديري الخالدي نسبة إلى قرية الدير في نابلس، وينقل الكتاب عن كتاب “الأنس الجليل في أخبار القدس والخليل” لمؤلفه مجير الدين الحنبلي أن آل الخالدي هاجروا من القدس قبل سقوطها في أيدي الإفرنج، ولجأوا إلى دير عثمان بالقرب من قرية مردى (هكذا) القريبة من قرية جماعين من أعمال نابلس، ثم عادوا إلى القدس بعد الفتح الصلاحي، فعرفوا بالديري نسبة إلى دير عثمان الذي قدموا منه”.

   ومن قراءة ما جاء في المصدرين السابق ذكرهما، نرى الاتفاق على الموقع الجغرافي وهو القريب من قرية مردة، وإن اختلفت التسمية بين دير بجالة ودير عثمان، إلا أن ما يعنينا هو أن خربة دير بجالة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين، أي فترة احتلال الفرنجة للقدس وفلسطين، كانت قرية عامرة ومكتظة بالسكان، وآمنة أيضا، ولهذا اختارت عائلة الخالدي الإقامة فيها، ما يدعونا إلى الإقتناع بأن القرية في ذلك العهد احتوت على سبعة مساجد، وربما أكثر، وذلك بسبب التزايد المفترض في عدد سكانها الهاربين من ظلم الغزاة الفرنجة واضطهادهم.

   وإذا كان تحرير القدس تم بعد معركة حطين 1187 للميلاد، فإن ذلك يعني أن آل الخالدي غادروا دير بجالة وعادوا أدراجهم إلى القدس مع نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، أو بداية القرن الثالث عشر الميلادي، بعد أن أقاموا في القرية ما يقرب من مائتي عام، كان لهم دور في تطويرها وازدهارها، ومن المتوقع أن تكون قد غادرت معهم عائلات أخرى إلى مدنها وقراها الأصلية، بعد انتفاء الأسباب التي أدت إلى هجرتهم، ومن المؤكد أيضا أن هذه الهجرة قد أدت إلى تراجع عدد سكان القرية (دير بجالة) وبالتالي تراجع دورها التجاري والعمراني في المنطقة.

   ولا استبعد أن إقامة آل الخالدي الطويلة في دير بجالة التي استمرت ما يقرب من مائتي عام، أسهمت في إيجاد نوع من العلاقات، بمختلف مسمياتها، مع أهالي كفل حارس القرية الأقرب لها، ويمكن أن تكون المصاهرة من بين أبرز العلاقات التي نشأت بين الطرفين.

  ويتحدث كبار السن من أهالي كفل حارس عن مذبحة مروعة تعرضت لها خربة دير بجالة في منتصف القرن التاسع عشر، أدت إلى القضاء المبرم على سكان القرية، وهروب من استطاع منهم الإفلات من تلك المذبحة.

   وإذا كان هؤلاء لا يذكرون في رواياتهم أسباب تلك المذبحة وتاريخها على وجه الدقة، فإنني اعتقد أنها تمت في فترة استيلاء إبراهيم باشا على أجزاء واسعة من فلسطين في عام 1840 للميلاد، وذلك عند اتساع دائرة الغزو التي كان يقوم بها الأقوياء المتنفذون من القرى المجاورة على القرى الأكثر ضعفاً، في ظل غياب واضح للسلطة السياسية في ذلك الحين ممثلة بالسلطة العثمانية.

   وكانت تلك المذابح شائعة آنذاك حيث تتحدث الوثائق أيضا عن مذبحة مروعة حدثت في مطلع القرن السابع عشر (عام 1600) في قرية سرطة المجاورة أتت على كامل سكان القرية.

   ويعتقد كبار السن من أهالي القرية أن عائلات من قرى مجاورة من الذين كانوا في تلك الفترة يتمتعون بسلطة ونفوذ كبيرين، ربما يقفون وراء تلك المذبحة التي حولت دير بجالة إلى أثر بعد عين، لكن مثل هذا الاعتقاد ما زال بحاجة إلى تدقيق.

   وكادت المذبحة تتكرر ضد أهالي قرية قيرة المجاورة في منتصف القرن التاسع عشر، لولا أن هبّ أهالي كفل حارس بقيادة الحاج أحمد الحماد لنصرة أهالي قيرة وحمايتهم من غزو آل الخفش.

   وإذا كانت الآثار المتبقية من خربة دير بجالة لا تبعد سوى نصف كيلو متر عن كفل حارس، فإن هذا يقودنا إلى الاعتقاد بأن بيوت دير بجالة في أيام ازدهار القرية ونموها قد وصلت إلى مسافة قريبة جداً من بيوت أهالي كفل حارس، وهو أمر يقودنا إلى مثل هذا الاعتقاد بسبب وجود الأراضي المفترضة لأهالي دير بجالة ضمن المخطط الجغرافي لقرية كفل حارس حاليا، وأن عدداً كبيراً من أبناء القرية قد بنوا بيوتهم منذ نهايات القرن الماضي على مسافات قريبة من المواقع الأثرية لتلك الخربة.

   وعلى الرغم من أن آثار خربة دير بجالة ليست مؤهلة سياحياً، إلا أن خبراء الآثار حذروا من نتائج جدار الفصل العنصري الذي أقامته سلطات الاحتلال على أراضي أهلنا الزراعية المصادرة، وإن هذا الجدار سيعمل على تدمير مئات المواقع الأثرية في المنطقة، ومنها آثار خربة دير بجالة.

 

بير النخرور

 

  يقع في منطقة تسمى “حريقة البير” قريبة من بير حارس، ويبعد بضع عشرات من الأمتار عن الطريق المؤدية إلى بير حارس، تظلله خروبة كبيرة، وله فوهة قد يصل قطرها إلى مترين وربما أكثر قليلاً محفورة في الصخر.

  هي بئر مهجورة، كانت الإشاعات المتداولة بين الناس تقول إنها بئر من دون قاع، ولا تتوفر معلومات لدى أهالي القرية عن طبيعة هذه البئر أو وظيفتها في السابق، أومتى تم حفرها.

   ولا يذكر أحد في القرية أن البئر كانت تستعمل في السابق لتجميع مياه المطر، او أن لها علاقة بالنبع الذي لا يبعد عنها سوى بضع مئات من الأمتار، الأمر الذي جعل من هذه البئر مادة لنسج قصص الخيال حولها، فمن الرواية التي تقول إنه لا قاع لها، إلى رواية أخرى تشير إلى أنها حفرت بواسطة صاعقة رعدية، إلى رواية ثالثة تتحدث عن مخلوقات غريبة تسكنها، وفي اعتقادي أن كل هذه الروايات لا أساس لها من الصحة، ومن المرجح أن يكون الفلاحون من أصحاب تلك الأراضي قاموا قبل مئات السنين بحفر تلك البئر للاستفادة من مياهها التي تأتيها من نبع بير حارس القريب للمساعدة في ري مزروعاتهم، أو استعمال المياه في مجالات متعددة، ومع مرور الزمن هجر الفلاحون تلك البئر، وربما تم طمرها من الداخل بواسطة تراكم الأوساخ، أو بواسطة الحجارة والصخور التي كان يلقيها الفلاحون في البئر في سنوات لاحقة، لاعتقادهم انها بئر من دون قاع، كما أنني لم أستطع معرفة السبب الذي يقف وراء تسميتها بهذا الاسم.

 

بير حارس

 

  هو نبع دافئ يتدفق في  فصل الربيع ويستمر إلى شهور الصيف، حيث يتحول إلى نبع جار، وتسير مياهه في مجرى يصب في الوادي المطوي على بعد عدة كيلو مترات من هذا النبع.

  ومع أنه يقع في وسط أراض تعود ملكيتها لأهالي كفل حارس، إلا أنه سمي بير حارس، ربما للتخفيف، أكثر منه للنسبة، لأن أبناء قرية حارس المجاورة، لم يكونوا يترددون عليه، وهو يقع إلى الجنوب من القرية، ويبعد عنها مسافة أكثر من كيلومترين، كان المواطنون  يضطرون لقطع معظم المسافة الموصلة إليه في طريق صخرية وعرة.

   ومن المؤكد أن سكان كفل حارس القدماء قد انتبهوا إلى أهمية هذا النبع، الذي استفادوا منه لتوفير مياه الشرب، لهم ولمواشيهم، فذهبوا إلى العناية به وبتطويره، ويتضح ذلك من نوعية الحجارة التي بنيت بها جدران هذا النبع، وهي حجارة تدخلت فيها اليد البشرية، وكذلك في طبيعة الدرجات الأربع والأربعين المؤدية نزولاً إلى فوهة النبع، وهي درجات تم إعدادها بمقاسات واضحة، ما يؤكد أن بنائين متخصصين عملوا على توسيع المساحة العلوية لسطح النبع لتستوعب تدفق مياهها الغزيرة في فصل الربيع، ولم تتوفر الوثائق التي تتحدث عن تاريخ بناء هذه الجدران، وظلت الذاكرة الشعبية تصفه بأنه بناء قديم جداً، ومن المرجح أن يكون أبناء القرية منذ تأسيسها قبل ما يقرب من أربعة آلاف عام، قد انتبهوا إلى هذا النبع ومياهه العذبة الدافئة، وذهبوا مع مرور الزمن إلى تطويرها والبناء عليها لتكون سهلة الاستخدام، أما تسميتها ببئر حارس، فمن المؤكد أن ذلك قد تم عندما تحول اسم القرية إلى كفل حارس، حيث يعتقد الباحثون أن ذلك قد تم مع بداية الفتح الإسلامي لفلسطين.

   وقد تفجر هذا النبع وسط منطقة صخرية، ويمكن أن يلاحظ ذلك بسهولة من حجم الصخور الكبيرة الموجودة على حواف البئر وأطرافها، وهي صخور كان السباحون يقفزون من على ظهرها إلى جوف الماء، وبعضها يرتفع عن مستوى سطح الماء أكثر من مترين.

   وكان الفلاحون الذين يزرعون أراضيهم المجاورة للبئر بالقمح، أو أولئك الذين “يعزّبون” بأغنامهم في مناطق قريبة، يستفيدون من النبع في توفير مياه الشرب لهم ولمواشيهم، ومن غير المستبعد أن يكون الجنود الأردنيون الذين “عسكروا” في “باب المطلة”، وهي منطقة ليست بعيدة عن هذا النبع، قد وفروا لأنفسهم ما يحتاجونه من ماء منها، وكذلك فعل من قبلهم الجنود البريطانيون والأتراك العثمانيون.

   ولم تكن مياه بير حارس تستعمل للشرب فقط، فأهالي القرية استعملوا تلك المياه في عدة مجالات منها:

ـ تعلم السباحة، فقد كان رجال القرية وشبابها وأطفالها يذهبون إلى ذلك النبع وهو جار، في أواخر فصل الربيع  وبدايات فصل الصيف ويسبحون فيه، ويعلمون أطفالهم السباحة، إلى درجة أن نسبة كبيرة من أبناء القرية تعلموا السباحة في هذا النبع.

ـ وكانت النسوة في أيام الصيف المشمسة يذهبن إلى بير حارس لغسل الملابس، وتحديداً الحرامات والبطانيات التي يحتاج غسيلها إلى كميات كبيرة من الماء غير المتوفرة في البيوت، ويقمن بنشر الغسيل على الصخور المنتشرة في محيط البير حتى يجف.

ـ وكان أصحاب قطعان الماشية الكبيرة يوردون ماشيتهم على ذلك النبع في فترات جريانه، ويذهب بعضهم إلى “غسل” الخراف في مياه النبع الجارية لتنظيف صوفها قبل أن يتم جزّه، ليكون نظيفاً عند أخذه عن جلود الخراف.

   لكن علاقة الأهالي مع البئر لم تكن طيبة دائما، ففي أربعينيات القرن الماضي، قيل إن حية لدغت فواز الكفينة في رجله عندما كان يسبح في البئر، ظلت آثارها بادية عليه وتسببت له بالعرج، فيما يتذكر كبار السن أن شخصا من سلفيت قد توفي غرقا في البئر عام 1955، كما توفي غرقا أيضا الشاب عبد الله علي الزيد، في ثمانينيات القرن الماضي، وكان في مطلع العشرينيات من عمره، ومن المؤكد أن تاريخ البئر قد سجل حالات غرق أخرى لم يعد الأهالي يذكرونها، وربما دفع ذلك عددا من الذين لم يقرأوا تاريخ هذه البئر جيدا، إلى ردمها بالحجارة في ثمانينيات القرن الماضي، ما أفقدها وظيفتها الممتدة إلى سنوات موغلة في القدم.

 

السدرة

 

(شجرة السدرة) صورة

 

   شجرة قديمة، يقدر بعض سكان القرية عمرها بألفي عام تقريباً، لكن المؤكد أن عمر هذه الشجرة يمتد إلى مئات السنين، ولا يتحدث أحد من أبناء القرية عن زمن محدد لزراعتها، وتشغل مساحة من الأرض دائرية الشكل تقريباً يصل قطرها إلى أكثر من عشرة أمتار، واصطفت على حواف تلك الأرض مقاعد حجرية ملساء كان أبناء القرية، شيباً وشباباً، يجلسون عليها وهم يلتقون تحت السدرة في “عصريات” أيام الصيف، ومحظوظ من يحجز مكانه في الجهة الشرقية، لأنه وقتها سيكون في مواجهة الهواء البارد القادم من جهة الغرب.

لم تعترف السدرة بالتقسيم الجغرافي للقرية، ولم تخضع لتوصيفات حاراتها، فقد كانت بمثابة ديوان صيفي نهاري لجميع أبناء القرية، ومن محيطها كانت تنطلق “زفة” العريس في السحجة الشعبية المشهورة.

وكان “القندرجي” عبده، الذي يأتي للقرية، بين فترة وأخرى قادماً من ديراستيا، لتصليح أحذية المواطنين، لا يستهويه أي مكان في القرية سوى “نصب عدته” تحت السدرة، ليأتيه الزبائن من جهات القرية كلها، وكان هذا يحدث في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، كما كانت السدرة عنوانا لمبيضي النحاس الذين يأتون للقرية لتبييض الطناجر والسدور النحاسية، ولأصحاب السعادين، ومن يمتازون بخفة اليد في الألعاب التي كانت تستهوي الأهالي.

   وتحت السدرة التأمت “جاهات” وحدثت “صلحات” وجرت “مفاوضات” وتمت “زيجات”، واستقبل أهالي القرية وفوداً من قرى مختلفة، وفي محيطها “ربط” الفرسان الأتراك والبريطانيون خيولهم لتستريح قليلاً، وهم ينفذون مهماتهم الأمنية في القرية، واستراح في ظلها الثوار والمجاهدون بين معركة وأخرى.

ظلت السدرة وطوال مئات السنين عنصراً فاعلا في حياة القرية وأهلها، ولم تبخل بظلها على أحد منهم، وإذا ما استعرنا وصف شجر الزيتون المعمر وتسميته، نستطيع وصف السدرة بأنها “رومية”، وهو وصف قد يتطابق تماما مع تاريخ زراعة هذه الشجرة التي تحولت إلى واحد من أبرز معالم القرية الجغرافية، ويبلغ محيط جذعها من الأسفل ما يزيد على أربعة أمتار، وقد تفرعت في الاتجاهات كلها، حتى يمكن القول إن ظلال أغصانها تغطي مساحة تقترب من أربعمائة متر مربع.

وفي سبعينيات القرن الماضي تعرضت السدرة إلى اهمال، وفقدت وظيفتها الاجتماعية التي ارتبطت بها على مدى مئات السنين، حتى قام شباب متطوعون من أعضاء نادي كفل حارس الرياضي الثقافي، ومعظمهم لم يعش تلك الأجواء الاجتماعية التي مثلتها السدرة في الحياة العامة لأبناء القرية، قاموا بتنظيف المكان وإعادة ترميمه لتعود الحياة إلى تلك البقعة من الأرض.

وفي جانب السدرة يقع مكتب بريد كفل حارس، وفي مواجهتها شرقا يقع مبنى بلدية كفل حارس وليس بعيدا عنه، مبنى النادي الرياضي الثقافي، وهي تبعد مسافة مائة متر تقريبا إلى الغرب من مقام يوشع بن نون.

 

بيوت العسكر

 

   بعد وقف إطلاق النار وإعلان الهدنة عام 1948، بدأت قوات من الجيش الأردني تنتشر في غير مكان من الضفة الغربية، وقد شهدت كفل حارس انتشارا لبعض هذه القوات، التي جاءت على شكلين، ثابت ومتحرك، فقد ذهبت بعض هذه القوات إلى إقامة نقطة ثابتة في منطقة باب المطلة، على طريق بير حارس، وبنت فيها عددا من الغرف الإسمنتية لإقامة الضباط والجنود فيها، أطلق عليها أهل القرية اسم بيوت العسكر، وقد حدث ذلك في خمسينيات القرن الماضي، ولم تكن هذه النقطة بعيدة عن نقطة عسكرية أخرى للجيش أقيمت على تل حارس، وقد شهدت المنطقة وجود العديد من النقاط العسكرية بسبب قربها من الحدود التي أقرتها الهدنة، وذهب العسكر إلى شق طريق يوصل بين الشارع الرئيس وثكنتهم اخترق الأراضي الزراعية للفلاحين، كانت سياراتهم تذرعه جيئة وذهابا، دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض، وقد ظل طريقا ترابيا مما سهل على الفلاحين استعادة أراضيهم المقتطعة منه بعد الاحتلال ورحيل جنود هذه الثكنة.

    وكانت هناك نقاط متحركة للجيش في أراضي القرية، وقد شاهدت شخصيا مطلع الستينات من القرن الماضي حفرا مستطيلة الشكل في قطعة أرض تعود ملكيتها لنا تسمى “النقعة” على مفرق بروقين، كان يطلق عليها “استحكامات”، حفرها الجنود للاختباء بداخلها عند الضرورة، ويتحدث أهالي القرية أن الأطفال والكبار كانوا يذهبون إلى حيث استحكامات الجنود بعد رحيلهم، لعلهم يحصلون على شيء من بقايا طعامهم، خاصة المعلبات.

 

كتاب نصيب من الشمش هشام عودة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*